الشيخ حسن المصطفوي

120

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

عذاب وأعظم ابتلاء : * ( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ وُجُوه ٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وَوُجُوه ٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ) * - 75 / 25 فالباسرة في قبال الناضرة ، وهو العبوس من دون رويّة . والفاقرة في قبال النظر إلى الربّ الغنىّ الحميد ، وهو ما يوجد فقرا وحاجة ويحيط الحياة في الآخرة . وهذا الظنّ للوجوه الَّتى تحبّون العاجلة وتذرون الآخرة . فهذه الوجوه بزوال الدنيا يشاهدون حقيقة ذواتهم ومقامات أنفسهم الروحانيّة وإحاطة الضعف والاحتياج بهم واستيلاء الفقر من جميع الجهات عليهم ، ثمّ لا يقدرون النظر إلى الربّ الغنىّ ، حتّى يرتفع فقرهم ، ويستفيضوا من نور جلاله وعظمته ، كما في الوجوه الناضرة . * ( إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ ا للهُ مِنْ فَضْلِه ِ وَا للهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) * - 24 / 32 فظهر أنّ غنى النفس إنّما يحصل بأمرين : الأوّل - باكتساب الفضائل الأخلاقيّة والإتيان بالأعمال الصالحة . والثاني - بالنظر إلى الربّ والتوجّه والارتباط والتعلَّق به للاستنارة . ثمّ إنّ اختلاف الناس من جهة الغنى والفقر في الحياة الدنيا : انّما هو من آثار الحكمة والتدبير في الخلق ، ومن آيات النظم والعدل في الحياة ، ومن أسباب المعيشة والمدنيّة في جامعة الإنسان ، بلحاظ لزوم وجود الطبقات المختلفة ، وتقسيم الأعمال والوظائف بحسب تلك الطبقات . ويؤظف الأغنياء بأن ينفقوا على الفقراء ، ويؤتوهم ما يحتاجون اليه في معاشهم ، ويدفعوا عنهم العسرة والمضيقة : * ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ ا للهُ مِنْ فَضْلِه ِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ) * - 3 / 180 . * ( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) * - 2 / 271 فانّ فيه تضعيف التعلَّق بالدنيا ، وكسر محبّة المال ، والتوجّه إلى خدمة